Saturday, January 26, 2008

فيلم و حكاية




انه الفيلم الأمريكي
The Pursuit of Happ
yness
للممثل العبقري ويل سميث . انه ليس ثمة خطأ غير مقصود في كتابة اسم الفيلم . ان ذلك الحرف الخطأ يعبر و بصدق عن غياب معني السعادة و غياب وضوح الرؤية في البحث عنها عند كثير الناس . إن السعادة هدف و من أعظم الأهداف جميعا و لكن من يصل إليها و ينالها حقا؟
انه ذلك الحرف الخطأ المكتوب على جدار مدرسة ابن كريس جاردنر (ويل سميث) و الذي يقع بجانبه كلمة بذيئة مكتوبة بحروف صحيحة تماما و التي ينادي كريس كلما يذهب بإبنه إلى المدرسة أن يغيروها للكلمة الصحيحة. كريس اب و رب اسرة مكونة منه و زوجته و ابنه . هو لم ير اباه إلا في الثامنة و العشرين من عمره لذا لا يريد أن يحرم ابنه منه بأي شكل. تبدأ حياة زوجية سعيدة و طفل صغير و مشروع تجاري يبدو أنه ناجح . يشتري أجهزة لقياس كثافة العظام من موزع على أن يبيعها للمراكز الطبية و ينال عمولة مناسبة. و لكن يبدو أن ذلك الجهاز لم يكن بذي نفع كبير. يصبح كريس متورطا في ذلك المشروع . تتراكم الأقساط و الديون و الأجهزة لا تباع إلا بصعوبة بالغة . تتدهور الأحوال و تغادر الأم المنزل بحثا عن عمل في ولاية أخرى بعد أن تعبت من تلك الأوضاع و لكن يصر كريس على بقاء ابنه معه . اثناء رحيل زوجته يصله خبر قبول اختباره من أجل وظيفة في شركة أوراق مالية كان قد تقدم لها و قد ظن أنه يجد في نفسه مهارات في الرياضيات و التعاملات الشخصية . بعد عناء يقبلوه كمتدرب لمدة 6 أشهر بدون أجر حتى يتم تحديد موقفه من التعيين من عدمه . يتبقى له عدد قليل من الأجهزة و قد ضاع أحدهم في مغامرة ما . تسوء الأمور فيضطر أن يترك منزله و ينتقل لغرفة صغيرة مع ابنه . ثم يأتي خبرحجز الضرائب على ما تبقى من أمواله و يطرده صاحب الغرفة منها فيخرج هو و ابنه و يضطرا للبيات في دورة مياه محطة مترو الأنفاق ليأتي أكبر و أصعب مشاهد العجز عندما لا يجد كريس سوى قدمه يدفع بها باب الحمّام عندما حاول احدهم فتحه و ابنه نائم بالداخل و دموعه تنهمر بعد معاناة كبيرة. يسعي كريس للإجتهاد في التدريب و يجد الجهاز المعطل و يسعى لإصلاحه بعد أن اكتشف انه قد خرب . ينام هو و ابنه في غرفة بكنيسة يوم . و لا يجد البيات في عشرة أيام . يتم اصلاح الجهاز و يبيعه ثم يأتي مشهد النهاية و قد قبلوه في الوظيفة ليخرج غير متمالك لأعصابه في فترة و فترة صغيرة من حياته تسمى فترة السعادة . يهرع إلى ابنه الوفى الجميل الذي صبر معه هذا كله و تحمل و يحتضنه معلنا دخول مرحلة جديدة من حياته.
انها تلك الإبتسامة الساحرة الصادقة بين الأب و ابنه التي ارتبطت اقدارهما معا رغم انوفهما في موقف صعب جدا و حرج جدا لتعلن أن السعادة موجودة و لكنها لا تعني بالضرورة ترفا و عزا كي ينالوها . ان السعادة قد تأتي بالمال و لكن ليس ذلك بشرط أساسي . قد تأتي السعادة بالزواج و لكنها أيض الشرط الأساسي و الوحيد . السعادة حقا مبعثها الأساسي الرضا و ..... السعي نحو السعادة او كما هو اسم الفيلم
The Pursuit of Happiness

-----------------------------------
إن هذا الفيلم أثار و بحق قلق كامن بداخلي أسعى دائما ألا يسطر بشكل مرضى على تفكيري . هو القلق المتعلق بالمستقبل . إنه الخوف من المجهول . إنه الحذر من الأتي . إنه القلق اتجاه أن أضل اتجاه من اتجاهات السعادة. طبيعي ألا ينال البشر السعادة الكاملة في الدنيا و لكنه قلق ألا أجده لمن معي في حياتي الدنيا. ماهو مستقبلي المهني على سبيل المثال ؟ انه تبقى من الزمن سنة و نصف و أكون خريجا أحمل شهادة الباكلريوس من كلية الهندسة قسم حاسبات و نظم . سنة و نصف ولم أجد حتى الأن ذلك التخصص الذي يسيطر على حياتي قد أعمل فيه و أبذل فيه خلاصة جهدي و تفكيري كي أحقق من خلاله ما أريد . هناك مجالات و لا شك . و لكنه ذلك الشعور المبهم بأنني لم أجده بعد . حتى مشروع التخرج . أصبحت لا أجد من هو من يشاركني فيه . ليس لعدم وجود أشخاص . و لكنه لأنه مشروع أريده أن يكون مشروعا حقيقيا و ليس تقدير في شهادة .مشروع قد يكون مشروع المستقبل . لا أجد نفسي في الوظيفة . أجدنى قد ألجأ إليها و لكني لا أتمناها . ولأن ابدأ المشروع مع بداية الحياة العملية الحقيقية هو خطوة تحمل مخاطرة كبيرة و ممتعة أشد المتعة في ذات الوقت و لكن !!!! الحافز . إنه ذلك الأكسير النقى الذي يدعم كل خطوة و كل قرار تأخذه . إن الرزق بيد الله طبعا وليس بيد أحدا غيره . و لكن هناك الأخذ بالأسباب . قد أفشل في مرحلة ما و لكن بالتوكل على الله و الأخذ بالأسباب ستجد طريق و طريق أخر للنجاح .هناك حافز أساسي و من القوة بحيث يدفعك إلى تخطي الصعاب ألا و هو اليقين بالله عز و جل و أنه استخلفك في الأرض لتنجح و تنال السعادة. هناك حوافز أخرى ليست بقليلة الأهمية . هي بالغة الأهمية. قلق الأهل . رغبته في أن يروك شخصا سعيدا و ناجحا. هناك حافز و حافز مهم جدا ألا و هو روحك التي ليست هي بروحك . إنها شريكة حياتك . إنها أنت و أنت هي. إنه من أعظم الحوافز أن تجد من يشاركك بناء كل حجر في حياتك . يقلق معك . يحزن معك . يفرح معك . يقويك و يسند ظهرك . تفرح لإنجازها كأنه بل هو حقا انجازك . و تفرح هي لتجاحك و كأنه نجاحها هي . قد يرزقنا الله بطفل . إن الطفل رزق من الله قد يرزقني إياه و قد يرزقني ماهو غيره . لن أقف عند وجوده عن عدمه و لن أحزن . و لكن أن يرزقني الله به فقد إرتبطت أقدارنا سويا و أصبحت الحياة أمامنا معا . و لكن ذلك الفيلم عرض لي صورة هي المسيطرة على خيالي. إن الأخذ بالأسباب يحمل قدرا من المخاطرة و التوفيق من عند الله . و لكن عندما تأخذ المخاطرة على نفسك غير أن تأخذها على أفراد ذات كيان مستقل و حياة و قد ارتبطت أقدارهم معك . تلك الزوجة التي تركت كريس لم تكن مخطئة تماما . إنه التعب و الإرهاق و الخوف . إنه الرغبة في الحياة في سعادة و لكنها لم تجدها معه. و الإبن الصبور الذي يحب أباه حقا كان حافز رهيب له كي يستمر .
فكرت بل و كنت أميل إلى أن يكون قرار مثل قرار الزواج متأخرا بعد أن أكون قد نلت من الإستقرار ( بفضل الله)ما يكفيني لحياة هادئة . و لكن هناك ثمة مشاعر حقيقية و قوية سأفتقدها حينها . هو ذلك الشور الذي تكلمت عنه سابقا . قد أتعرض لمثل هذا الموقف بعد زواجي متأخرا و قد تصبر روحك التي هي ليست بروحك و تساندك . ولكن ماهو ذلك الشعور الذي لا يعوض بأن روحك كانت معك من البداية. مع كل حبة عرق و ابتسامة سعادة و لحظة رضا.
قرار مثل الزواج متأخرا يسيطر على تفكيري و قد شجعه الفيلم على ذلك . رغم أنه عرض تلك المشاعر الرهيبة التي حقا لا تقدر بثمن و لن تعوض مع الابن . و لكنه الخوف على أرواح ناس هم حياتك. و لكن هل للجنون و السعادة حدود؟ هل المخاطرة بلا طعم ممتع تتمنى أن تذوقه . هل السعادة في الجنون أم الهدوء ؟ أم متى أكون مجنونا و متى أكون عاقلا ؟ ليس الجنون المرضي و لكنه جنون الخروج عن القيود التي فرضت عليك . لا أعلم و أتمنى أن أعلم.

نقطة أخيرة رأيتها في الفيلم و حمدت الله أنني أنتمى لدين الفطرة و منهج الحياة الحقيقي الإسلام .
إنه التــــــــــــــــــكافل .

Friday, January 18, 2008

بين نظرية المؤامرة و التربية

اشتد الجدل بين الناس عندما بتناولون تصرف أي شخص أو مجموعة أو دولة أو أي كيان مختلف معهم في التفكير و المنهجية و التصرف. يتناول طرف منهم نظرية المؤامرة و يركب معطياتها على الواقع الحادث أمامه . يبحث عن نقط التقاء بين النظرية و بين الحدث الواقع و الذي يتداول النقاش فيه . و يؤكد أن النظرية حاضرة و بقوة . بينما ينادي الطرف الأخر بعدم التمسك بنظرية المؤامرة و الصاق أي تصرف مختلف بها و أنها أصبحت ( أي نظرية المؤامرة) عبئا على تحليل كل موقف بتم النقاش و الجدل حوله.

نتناول قضية قد تبدو أن أحداثها بعيدة (من حوالي 4 سنوات) و لكنها بشكل ما لها اسقاط قوي و مؤثر في الماضي و الحاضر و أيضا الستقبل. تلك القضية هي قضية تعذيب الأسرى العراقيين في سجون أبو غريب و التي أثارها الإعلام بصور بشعة و مقززة لجنود أمريكيين يعذبون الأسرى العراقيين بشتى وسائل التعذيب و يبدو فيها النهم الجنسي للجنود الأمريكان كعلامة بارزة.
نجد أن في شريط " التعذيب في سجون الحرية " للدكتور راغب السرجاني . يتناول الدكتور أحداث تلك القضية بطرح أسئلة مهمة و الإجابة عنها . كان أولها و اكثرها تناولا في أحداث الشريط هي ما الخلفية التاريخية و الأخلاقية و العنصرية للجندي الأمريكي المدان في تلك القضية .بتحليل ذلك السؤال و الإجابة عليه سرد الدكتور راغب مجموعة من الحقائق و الأرقام و التقارير و الأحداث التي تؤكد أن ما فعله الجندي الامريكي كان شئ عادي و متوقع بل أن ما قد يثير الغرابة أنه لا يحدث منه مثل ذلك التصرف. إن التربية و الثقافة و الحياة التي عاشها الجندي الأمريكي كانت هي المحرك الأساسي و القوي لمثل تلك التصرفات الشنيعة و القذرة.
و عندما أتى سؤال أخر حول ما سبب إظهار مثل تلك الصور و فضح الإدارة الأمريكية في ذلك التوقيت بالذات (وقت اثارة القضية) كانت الإجابة تحمل احتمالين . احدهما يقول أنه بمباركة الإدارة الأمريكية و لها اسبابها . و الاحتمال الأخر أن تكون الفضيحة رغما عن أنوف أهل الإدارة الأمريكية و كان أسبابها أكثر واقعية و أكثر ترجيحا لهذا الإحتمال . أي أنه أحد الاحتمالين بل و أقواهم كان يتناول مؤامرة حاكتها بعد القوى المسيطرة على شئون الإعلام و الحكم في أمريكا ضد الإدراة الأمريكية بعد أن اصبحت كارت محروق لا يفيد في المناورات.

أي أنه يجب عند تناول كل تصرف أن نحدد في إطار تعريفنا له إلى أي شئ ينسب ؟ هل ينسب للتربية و الخلفية و المرجعية للقائم بالتصرف؟ أم ينسب لنظرية المؤامرة ؟

إن الاحتمالين متشابكان و كثيرا ما يثيران الإرهاق كي تنسب أي تصرف لأي منهم. فنظرية المؤامرة نظرية ناجحة و لها أياد قوية في تغيير مجرى التاريخ من حال إلى حال أخر. بل إنها منذ بداية الخلق عندما قال الشيطان لله سبحانه و تعالى أن نظرية المؤامرة ستكون منهجيته إلى يوم يبعث الناس و ذكر هذا في عدة أماكن في القرآن الكريم و على بسيل المثال في سورة الحجر
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّہُمۡ أَجۡمَعِينَ (٣٩)
بل و نجد أن خروج آدم عليه السلام و زوجته من الجنة إلى الأرض كان بمؤامرة من الشيطان و ايعاز منه . و لم يكن دور الشيطان فقط هو الإيقاع بابن أدم فقط بل و تحفيز ذلك التفكير المريض فيه و حثه له على استخدامه حتى أنه أصبح من شياطين الإنس ما يكيدون أكثر من شياطين الجن.
و على الوجه الأخر أن تصنيف أي تصرف على جانب التربية سيؤدي بلا شك في إختيار حل مناسب يحجم ذلك التصرف أو يقوّم صاحب الفعل بتوضيح الجانب الغير سوى في تربيته و تصرفه و يساعد على إنهاء المشكلة و إنهاء مصدرها أو تحييده على الأقل.

حقا أنه موضوع صعب و لكنه من الأهمية بحيث يحدد و بشكل أساسي تعريف الموقف و بالتالي البحث عن كل الحلول الممكنة نحوه.

شريط الدكتور راغب " التعذيب في سجون الحرية" شريط هام و على قصر مدة الشريط إلا أنه يحتوي على الكثير من النقاط الهامة التي يجب أن يعيها الفرد كي يعرّف الواقع أمامه بشكل سليم و بالتالي يختار التصرف الصحيح حياله.
للتحميل
rm
mp3


Sunday, January 13, 2008






و لســــــــــــــــــــه

Monday, January 07, 2008

مشهد .... و دروس

الجزء الأول

الزمان: السنة العاشرة من البعثة النبوية

المكان : في حديقة بالقرب من الطائف

الشخص : الرسول صلى الله عليه و سلم

الأجواء المحيطة بالشخص و الموقف: هو عام الحزن بالنسبة للرسول . يموت عمه ابو طالب على الشرك رغم ما قام به أبو طالب في خدمة الرسول و خدمة مسيرة الدعوة . تموت السيدة خديجة زوجة الرسول صلى الله عليه و سلم.المسملون مستضعفون في مكة . المسملون مبعدون عن أهلهم في الحبشة. اشتد رفض الكفار في مكة للاسلام و اشتد تعذيبهم للمسلمين . اتضح استحالة الدعوة في هذا المكان . الرسول ممنوع من الخروج من مكة و لكنه يتخفى و يخرج إلى الطائف للدعوة و طلب النصرة . يقابل في الطائف بالرفض و بل و الإيذاء . قالوا له اخرج من بلادنا، وأرسلوا خلفه عبيدهم وسفهاءهم فصفوا أنفسهم صفين خارج الطائف وجعلوه يمر من بين الصفين وهم يقذفونه بالحجارة ويقذفونه بأسوأ الكلام والسباب، حتى سالت دماؤه الشريفة صلى الله عليه وسلم على كعبيه وتلون النعل بالدم، وكان زيد بن حارثة يبذل كل طاقته لتلقي الحجارة في جسده، بل في رأسه حتى لا تصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى شج رأسه رضي الله عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسرع الخطا بين الصفين حتى انتهى منه ويمم عائدًا إلى مكة لكنهم لم يتركوه بل ظلوا يتعقبونه بالحجارة و السباب مسافة خمسة كيلومترات.

المشهد : يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحائط، وهو مثقل بالهموم والأحزان والجراح، فيسرع إلى ظل شجرة ويجلس تحتها ويسند ظهره إلى الشجرة ويمد يده إلى السماء، وتنهمرت عبراته وهو يدعو بدعاء ما دعا به قبل ذلك، وما دعا به بعد ذلك، دعاء يعبر عن مدى الألم والحزن والهم والغم الذي شمل كل كيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أغلقت أمامه كل الأبواب إلا هذا الباب الذي لا يغلق أبدًا، باب الرحمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

يتضح للرسول أن تلك الحديقة لرجلين من زعماء مكة المشركين و اشد أعداء الرسول (عتبة بن ربيعة و شعبة بن ربيعة) و لكن لشدة ما رأوا من حاله اشفق قلبهما عليه و ارسلوا له طبق من العنب مع عبد نصراني و رغم كل ما به لم ينس الرسول الدعوة و يدعو الغلام النصراني و يسلم الغلام.
يسير بعدها الرسول صوب مكة .نشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفكير. لقد أصبح الموقف الآن في غاية الحرج، الطائف رفضت الدعوة هذا الرفض القبيح، ولا شك أن الخبر قد طار إلى مكة، ولا شك أيضًا أن مكة كانت قد اكتشفت تسلل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها دون علمها، إذن مكة ستصبح موصدة الأبواب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستكون محاولة الدخول إليها في غاية الخطورة، ماذا يفعل صلى الله عليه وسلم؟ ينشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفكير في هذا الأمر، الأقدام تسير في اتجاه مكة، لكن العقل مشغول غاية الانشغال، يقول صلى الله عليه وسلم يصف هذا الموقف

كما جاء في البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَانْطَلَقْتُ - أي من الطائف - وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ - وهي المسماة بقرن المنازل، مهمومًا حزينًا، وكأنه في إغماءة أو في نوم ثم أفاق في قرن الثعالب، أتدرون كم تبعد قرن الثعالب عن الطائف؟ تبعد خمسة وثلاثين كيلو مترا، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه المسافة وهو في شبه إغماء من شدة الهم والتفكير.

ثم يحدث أمر عجيب هناك في قرن الثعالب

كما جاء في رواية البخاري يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ (مقامات عالية جدًا، وتخيل مدى انشراح الصدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة وتخيل مدى الشعور بتفاهة المشركين والمكذبين فهؤلاء الذين يظنون أنفسهم سادة، كيف يقارنون بالجبال وكيف يقارنون بأعظم الملائكة جبريل عليه السلام) فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ(والأخشبان هما جبلا مكة: أبو قبيس وقيقعان) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.

ستار

--------------------------------------------

الجزء الثاني
نستدعى جميع الأجواء التي تحيط بالمشهد. نتستدعى أحداث المشهد و نسأل
*ما مميزات اطباق الجبلين على أهل الطائف و ازالتهما من الوجود؟
1- الخلاص من فئة مشركة . أعداء الله و رسوله. تحتوى قبيلتهم على واحد من أكبر ثلاث آلهة في الجزيرة العربية (اللات) . أذوا الرسول صلى الله نفسيا و بدنيا أذية شديدة تدفعه لنزول عبراته و هو يدعى الله بدعائه الذي ذكر في المشهد . ازالة جزء مهم من الأعداء في دعوة الرسول.
2- اعطاء دليل مادي قوي على نبوة الرسول صلى الله عليه و سلم .
3- أثر الحدث المادي على المسملين المعذبين المفتونين الذين لم يروا حتى تلك اللحظة أي نصر و أي نمكين وعدهم به الله و رسوله.
4- الرعب الذي سيدب في مشركي مكة ازاء ما حدث و ان ما فعله الرسول في أهل الطائف من الممكن أن يحدث لهم.
5- احتمالية أن يساعد هذا الموقف الرسول في الشيطرة على العالم بقوة سحرية رهيبة.
6- فوق تلك الأسباب أن الله هو من أعطى الرسول تلك الفرصة . وفي إرسال ملك الجبال إشارة واضحة أن الله عز وجل لن يعتب على نبيه أن يختار إهلاك الناس، بل إنه يشجعه على ذلك بإرسال ملك الجبال نفسه، وكان من الممكن أن يرسل جبريل فقط يعرض عليه الأمر فلو وافق الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ملك الجبال ليهلك البلدة.
و غيرها الكثيرمن المميزات
* هل هناك عيوب من استخدام تلك الهدية؟
لا تذكر.
* هل كان الرسول صلى الله عليه و سلم في حالة ضغط ذهني و بدني؟
نرجع إلى الأجواء المحيطة بالمشهد و المشهد نفسه لنتأكد من حالة الضغط.
و يكفي ان نذكر نوع واحد من تلك الضغوط
"لقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل صنوف الابتلاءات من فقد الأم والأب والجد والعم، تعرض للتكذيب والإيذاء، تعرض للإخراج من بلده ومحاولات قتله، تعرض للحروب والجهاد، تعرض للإساءة إليه من المنافقين، وحتى من بعض المسلمين، والآن يأتي ابتلاء آخر جديد، لقد ماتت السيدة العظيمة الكريمة الجليلة الشريفة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديجة رضي الله عنها كانت نعمة من نعم الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت خير متاع الدنيا له، كانت السكن والراحة، كانت المودة والرحمة، كانت الصدر الحنون، كانت الرأي الحكيم، كانت صورة رائعة للمرأة الصالحة، كانت السيدة خديجة رضي الله عنها بحق فخرًا لكل امرأة.

حياة امتدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عامًا متصلة، ربع قرن كامل، لم تنقل كتب السيرة خلافًا واحدًا حدث بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تنقل كتب السيرة غضبًا ولا هجرًا، لم تنقل طلبًا من السيدة خديجة لنفسها، لقد عاشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عاشت تؤازره في أحرج أوقاته، تعينه على إبلاغ رسالته، تهُوِّن عليه الصراع الذي دار بينه وبين كفار مكة، تواسيه بمالها ونفسها، تجاهد معه بحق كما لم يجاهد كثير من الرجال.

يتحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حب عميق فيقول كما جاء في مسند الإمام أحمد برواية السيدة عائشة رضي الله عنها، قَالَ: مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ.

ثم بعد كل هذا الارتباط الوثيق، أَذِنَ الله عز وجل بالرحيل، ماتت خديجة رضي الله عنها.

موت الزوجة بصفة عامة مصيبة، الرجل مسكين، مسكين فعلًا بغير زوجته، فإن كانت العشرة بينهما طويلة كان الفراق أصعب، فإن كانت الزوجة صالحة كان الفراق أصعب وأصعب، فما بالكم لو كانت الزوجة واحدة من أعظم نساء الأرض؟! مصيبة كبيرة، كبيرة.

روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وروى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ. قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ.

السيدة خديجة رضي الله عنها قيمة كبيرة جدًا في الميزان الإسلامي، من الصعب علينا أن نتخيل قدرها.

روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ- أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ- فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا (الله، تخيل أن الله عز وجل أرسل جبريل عليه السلام ليبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل في عليائه يُقْرِئ السيدة خديجة السلام) وَمِنِّي، (ليس هذا فقط بل يكمل جبريل ويقول) وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ،(أي من لؤلؤ مجوف، أو ذهب منظوم بالجوهر) لَا صَخَبَ (أي لا صوت مرتفع) فِيهِ وَلَا نَصَبَ (أي لا تعب).

درجة عالية جدًا من درجات السمو.
هذه السيدة، بهذا القدر، وبهذه القيمة، وبهذه المكانة، فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي وقت هو من أحرج أوقات الدعوة على الإطلاق."
* هل عندما اتخذ الرسول ذلك القرار لم يكن يعلم قدر أهل الطائف و قدرتهم على ايذاء و فتنة المسلمين و الدعوة؟
لا و الله و للعلم اختيار الطائف بالذات لبداية الدعوة كان اختيار مقصود من الرسول الكريم و ذلك لأسباب عدة تتعلق بقوة و مكانة و تأثير الطائف على الأحداث و أهمية دورها لو أسلمت في تغيير مسار الدعوة تماما.
* هل عندما تركهم الرسول و رجع إلى مكة لم يفتنوا المسلمين أو يمارسوا الأذي فيهم حتى نهاية السيرة؟
لا و الله فبعد 12 عام من ذلك المشهد و اثناء و بعد فتح مكة يجمع أهل الطائف 25 ألف مقاتل(أكبر عدد من المقاتلين لجيش من قبيلة عربية في حينه) ليقاتلوا الرسول في غزوة حنين . و في أول تلك العزوة يتعرض المسلمون لمحنة قوية يفر فيها الكثير من الجيش الاسلامي مفتونين و بعد ذلك يحاربهم الرسول و يحاصر قلاعهم ثم يفك الحصار ثم بمجيئ أهلها مسلمون وقد بلغ من قوة ثقيف (احد قبائل الطائف) أنها القبيلة الوحيدة التي استعصى على المسلمين دخول بلدها عنوة حتى جاء أهلها - بعد ذلك - مسلمين طوعا.
- لقد ترك الرسول كل تلك المميزات و لم يعيبها و لكنه اختار ميزة واحدة أمام كل تلك المميزات . لم يكن متأكدا من أن تلك الميزة ستحدث قريبا أو بعيدا . هو تمناها . و عندما فتن المسملون في غزوة حنين من المؤكد أنه تذكر ذلك الموقف عندما رفض هلاكهم. و لكنه كان فقه الواقع و الموازنات.
*هل هذا كان الموقف الوحيد في سيرة الرسول الذي عولج بتلك الحرفية و الحكمة رغم تشابك الظروف كلها؟
لا و الله بل أن سيرة الرسول كلها كانت تعالج بنفس الطريقة . حتى اني استدعي قول للدكتور راغب السرجاني يقول فيه أن السيرة صيغت بدقة و قدرة الهية لكل يظهر فيها كل موقف سيقابله المسملون في حياتهم بعد ذلك.

Thursday, January 03, 2008

ايييييييييييييه

واحشني يا كبير

و لا يوم من ايامك